الأشاعرة - موسوعة ماي ديوان
الأشعرية نسبة لأبي الحسن الأشعري هي مدرسة فكرية إسلامية سنية [1] ذات منهج كلامي اتُبع كمنهج في العقيدة من قبل العديد من فقهاء أهل السنة والحديث ودعم بشكل عام آرائهم وفلسفتهم ومن كبار هؤلاء الأئمة : البيهقي و النووي و الغزالي و العز بن عبد السلام و السيوطي و ابن عساكر و ابن حجر العسقلاني و القرطبي و السبكي.
يعتبر الأشاعرة أنهم بالإضافة للماتريدية، يكوّنان القسم الرئيسي من أهل السنة و الجماعة
ظهر هذا المنهج على يد أبو الحسن الأشعري الذي استخدم نفس أدوات المعتزلة الكلامية لدعم آراء أهل الحديث و بالتالي أوجد المدرسة الكلامية المستمدة من آراء علماء الحديث فيما يخص صفات الخالق ومسائل القضاء والقدر. بهذا مثل ظهور الأشاعرة نقطة تحول في تاريخ أهل السنة والجماعة التي تدعمت بنيتها العقدية بأساليب المنطق والقياس المعتزلي، فأثبت أبو الحسن الأشعري بهذا أن تغيير المقدمات المنطقية مع استخدام نفس الأدوات التحليلية المعرفية يمكن أن يؤدي إلى نتائج مختلفة.
يعتمد الأشاعرة في العديد من الحالات على آلية التأويل لشرح بعض ألفاظ القرآن الكريم و هذا الأمر هو ما يرفضه السلفيون.
تاريخ الأشاعرة
النشأة
لمّا ضعف شأن المعتزلة في القرن الثالث والرابع الهجري، وقد كانوا متصدين لأهل الأهواء، وعلى الذين هاجموا الإسلام، كان لابدّ أن يكون بين علماء السنة من يتولّى هذا العمل، فكان الأشعري من تصدّى لذلك العمل الخطير. ذكر ابن عساكر أن أبا الحسن الأشعري اعتزل الناس مدة خمسة عشر يوما، وتفرغ في بيته للبحث والمطالعة، ثم خرج إلى الناس في المسجد الجامع، وأخبرهم أنه انخلع مما كان يعتقده المعتزلة، كما ينخلع من ثوبه، ثم خلع ثوبا كان عليه ورمى بكتبه الجديدة للناس. [2] فهو عارف ببلاء المعتزلة في هذا الأمر، وقد نال لذلك منزلة عظيمة، وصار إمام السنة في ذلك العصر، وصار له أنصار كثيرون، و لقى تأييدا من كل فئات المجتمع حكاماً و علماء، ولقّبه أكثر علماء عصره بإمام أهل السنة و الجماعة.
ما بعد مرحلة التأسيس
كان السبب المباشر لإنطلاقة الأشعري نحو تجديد منهج العقيدة عند أهل السنة هو مواجهة المعتزلة ولعل هذا الهدف تحقق سريعا نتيجة لإلتفاف العلماء حول الأشعري بعد أن ضاقوا بالمعتزلة ،إلا أن منهج الأشعري لم يبق جامداً بل إنه تطور وإن كان على القاعدة نفسها التي وضعها المؤسس مع بعض التباين في تطبيقات هذه القاعدة القائمة على جعل العقل خادما للنصوص وعدم اتخاذه حاكما على النصوص ليؤولها أو يمضي ظاهرها كما هو الحال عند المعتزلة ،وقابلية المنهج للتطور كان محصوراً في الجانب العقلي ومنسجماً مع المرونة التي اتبعها المؤسس لجهة استعمال العقل كخادم لا كحاكم ،وفيما يلي بعض لمحات تطور المنهج وصور التباين في تطبيق منهج الأشعري:
- بعد الأشعري جاء أئمة قووا الآراء التي انتهى إليها الأشعري،وقد تعصب بعضهم لرأي الأشعري،لا في النتائج فقط وإنما كذلك في المقدمات التي ساقها،وأوجبوا اتباعه في المقدمة والنتيجة معاً ،وعلى رأس هذا الفريق أبوبكر الباقلاني حيث أنه لم يقتصر على ما وصل إليه الأشعري من نتائج بل إنه لا يجوّز بغير مقدماته أيضاً .
- رأى فريق آخر من الأشاعرة جاء بعد الباقلاني وعلى رأسه الغزالي أن المقدمات العقلية لم يجيء بها كتاب أو سنة وميادين العقل متسعة وأبوابه مفتوحة وأن هناك إمكانية أن يتم الوصول إلى دلائل وبيّنات من قضايا العقول ونتائج التجارب والقرائح لم يتجه إليه الأشعري وليس من ضير في الأخذ بها ما دامت لم تخالف ما وصل إليه من نتائج وما اهتدى إليه من ثمرات فكرية.
ولم يسلك الغزالي مسلك الباقلاني ، ولم يدع لمثل ما دعا إليه ، بل قرر أنه لا يلزم من مخالفة الباقلاني في الإستدلال بطلان النتيجة ،وأن الدين خاطب العقول جميعا ،وعلى الناس أن يؤمنوا بما جاء بالكتاب و السنة ،وأن يقووه بما يشاءون من أدلة .
- جاء بعد الغزالي أئمة كثيرون اعتنقوا مذاهب الأشعري في نتائجه ، وزادوا على دلائله ،فلم يدعوا إلى التقيد بالمقدمات بل قيدوا أنفسهم فقط بالنتائج ، ومن هؤلاء: البيضاوي المتوفى سنة 701 هـ ، مؤلف كتاب الطوالع في علم العقائد ، والجرجاني المتوفى سنة816 هـ [3] .
الإنتشار
في المشرق انتشر مذهب الأشعري في عهد دولة السلاجقة وبالتحديد في عهد وزارة نظام الملك الذي اهتم ببناء المدارس وربط المساجد ببعضها والذي كان يرفع من شأن العلماء، وقد تم تدريس المنهج الأشعري في مدرسة بغداد النظامية، ومدرسة نيسابور النظامية، وكانت المدرسة النظامية في بغداد أكبر جامعة إسلامية في العالم الإسلامي وقتها. [4]، فلم تأتي الحروب الصليبية إلا وكان المذهب الأشعري قد ساد المشرق بشكل غير مسبوق، فلما قضى السلطان صلاح الدين على دولة الفاطميين في مصر قام بتحويل الأزهر التي كانت على مذهب الإسماعيلية الشيعة المفروض من الفاطميين إلى مذهب أهل السنة والجماعة على منهج الأشاعرة في العقيدة والذي كان سائداً ومنتشراً في ذلك الوقت. [5]
أما في بلاد المغرب العربي فقد خرج محمد بن تومرت،وثار على المرابطين ،واعتنق المنهج الأشعري واستغل الخلاف الأثري الأشعري في تحقيق هدفه بالقضاء على المرابطين وتأسيس دولة الموحدين التي فرضت المذهب الأشعري على كل بلاد المغرب، [6]. وإن كان هذا الطرح قد يتناقض مع معطيات تشير إلى عدم صحته ف يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين كان وطيد الصلة مع علماء الأشاعرة فابن رشد الجد (الملقب بشيخ المالكية) وهو من الأشاعرة كان قاضي القضاة زمن المرابطين ، كما أن أبو بكر بن العربي وهو من أهم علماء المالكية و ممن كان يعتمد عليهم ابن تاشفين كان من تلاميذ الغزالي ،ويروي المؤرخون أن يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين، عندما عزم على الدخول إلى الأندلس قام باستشارة أبو حامد الغزالي [7]، الذي كان أهم علماء المشرق في ذاك العصر ومن المعلوم أن الغزالي أحد أهم أئمة الأشاعرة، إلا أن هذا لا ينفي أن تدريس المنهج الأشعري ازدهر بعد سقوط دولة المرابطين ،فنظراً إلى أن المغرب الإسلامي لم يشهد فرقاً فكرية متنوعة كالتي شهدها المشرق فإن هذا جعل أهل المغرب يعتنون بفروع الدين و بالأخص الفقه دون الأصول كالعقيدة وذلك لعدم وجود تنازع كالذي حصل في المشرق بين الأشاعرة وأهل الحديث من جهة والمعتزلة من جهة أخرى ،و بعد أن استقر المغرب وانطفأت فيه الفتن بدأت حواضر علمية عدة في تبنّي منهجية تعليمية تنافس نظيراتها في المشرق ومن بين المناهج التي اعتمدت كان منهج الأشاعرة في العقيدة ومن أبرز أعلامه في المغرب الإسلامي الطّرطوشي، والمازري، والباجي،والقاضي عياض، والقرطبي، والقرافي، والشّاطبي وابن عاشر وأحمد زروق و السنهوري.
الأفكار والعقائد
الأشعرية مدرسة فكرية سنية لذا فإن عقيدتها هي عقيدة أهل السنة والجماعة ، أي أنها تكاد تكون مطابقة لعقائد المدارس الأخرى المنتسبة للسنة إلا في مسائل قليلة بسبب اختلاف منهج التلقي والاستدلال. استدل الأشعري على العقائد بالنقل والعقل، فيثبت ما ورد في الكتاب والسنة من أوصاف الله ورسله واليوم الآخر والملائكة و الحساب والعقاب والثواب ويتجه إلى الأدلة العقلية والبراهين المنطقية يستدل بها على صدق ماجاء في الكتاب والسنة عقلا بعد أن وجب التصديق بها كماهي نقلا، فهو لا يتخذ من العقل حاكما على النصوص ليؤولها أو يمضي ظاهرها، بل يتخذ العقل خادما لظواهر النصوص يؤيدها. [8] وقد استعان في سبيل ذلك بقضايا فلسفية ومسائل عقلية خاض فيها الفلاسفة وسلكها المناطقة، والسبب في سلوكه ذلك المسلك العقلي :
- أنه كان في مدرسة المعتزلة، واختار طريقتهم في الإستدلال لعقائد القرآن، ولم يسلك طريقتهم في فهم نصوص القرآن و الحديث، فالمعتزلة سلكوا في طريقتهم في الإستدلال مسلك المناطقة والفلاسفة .
- أنه تصدّى للرد على المعتزلة و مهاجمتهم فلا بدّ أن يتبع طريقتهم في الإستدلال ليقطع حجتهم ويفحمهم بما في أيديهم و يرد حجتهم عليهم.
- أنه تصدّى للرد على الفلاسفة، و القراطمة، والباطنية و غيرهم، و كثير من هؤلاء لا يفحمه إلاّ الأقيسة المنطقية ، و منهم فلاسفة لا يقطعهم إلا دليل العقل.
وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: ((واعلم أن أبا الحسن الأشعري لم ينشىء مذهبًا إنما هو مقرر لمذاهب السلف مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله فالانتساب اليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقًا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمّى أشعريًا)) ا.هــ
ومن مميزات منهجهم كذلك الأخذ بما تواتر عن النبي من الأحاديث وعدم الأخذ بالآحاد ولو كان صحيحا، إلا في بعض مسائل السمعيات.
التأويل
ذهب الأشاعرة في التعامل مع الآيات المتشابهة إلى تأويل اللفظ المتشابه ، أي بصرفه عن المعنى الظاهر المباشر إلى معان أخرى ،ويستعان على هذا بالقرائن المتعددة ، وبعرف الإستعمال والعادة ، لأنهم يرون أن التعويل في الحكم و الإستنباط على قصد المتكلم و مراده [9] ، ومراده يظهر أحيانا من اللفظ نفسه ، وأحيانا من العلامات والقرائن المصاحبة ، فمراد المتكلم من قوله:رأيت أسدا ، غير مراده من قوله: رأيت أسدا يخطب على المنبر ، ففي الأولى يقصد الحيوان المفترس بدلالة لفظ الأسد ، وفي الثاني يقصد الرجل الشجاع بدلالة القرينة (( يخطب على المنبر )).
وبالتالي فإنهم يرون أنه من عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب -عليه-اتباع مراده، فالألفاظ عندهم لم تقصد لذواتها ، وإنما هي ادلة يستدل بها على مراد المتكلم ، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق ،فإنه يجب العمل بمقتضاه سواء كان بإشارة ، أو كتابة ، أو بإيماءة ، أو دلالة عقلية ، أو قرينة حالية ، أو عادة مطردة [10] .
ويرى الأشاعرة أنهم يتبعون السلف باتخاذهم لمذهب التأويل في التعامل مع النصوص المتشابهة ، وفيما يلي بعض الأمثلة التي يستشهد بها الأشاعرة على تأويل السلف للنصوص المتشابهة :
- تأويل عبد الله بن عباس الساق بالشدة في الآية :((يوم يكشف عن ساق)) ، وتأويل الحسن البصري القدم بالّذين قدمهم الله من شرار خلقه في الحديث :((لا تزال جهنم تقول هل من مزيد ، حتى يضع رب العزة فيها قدمه[11]
- تأويل ابن جرير الآية ((و السماء بنيناها بأيد)) بالقوة ،ونقل تأويل الأيدي بالقوة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ومنصور وابن سفيان[12]
- تأويل البخاري الضحك بالرحمة [13]
- ما رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأوّل الآية((وجاء ربك)) أنه جاء ثوابه.ثم قال البيهقي :وهذا اسناد لاغبار عليه [14]
- تأويل سفيان الثوري للوجه في الآية((كل شيء هالك إلا وجهه)) بالملك [15]
- تصريح مالك و الأوزاعي في الحديث ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) بأنّ الله لا يجوز عليه الإنتقال[16]
- ما قاله ابن حجر العسقلاني عن حديث الصوت:لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى -الله- ،ويحتاج إلى تأويل [17]
- تأويل الشاطبي الوجه في الآية((كل شيء هالك إلا وجهه))بالذات [18]
- نقل النووي في شرحه على صحيح مسلم عن القاضي عياض أنه لا خلاف بين المسلمين قاطبة ، فقيههم ،ومحدّثهم ، ومتكلّمهم ،ونظارهم ، و مقلّدهم أنّ الظواهر الواردة بذكر الله في السماء ،كما في الآية((أأمنتم من في السماء )) ونحوه،ليس على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم[19] ،أي جميع من يعتد بهم .
أبرز أئمة المذهب
- القاضي أبو بكر الباقلاني : ( 328-402هـ ) (950-1013هـ ).
- أبو إسحاق الشيرازي : ( 293-476هـ ) ( 1003-1083م ).
- أبو حامد الغزالي :وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ( 450-505هـ) ( 1058-1111م ) .
- أبو إسحاق الإسفراييني : ( ت418هـ) ( 1027م ).
- إمام الحرمين أبو المعالي الجويني : وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني ( 419-478هـ ) ( 1028-1085م ) .
- الفخر الرازي:هو أبو عبد الله محمد بن عمر الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني الرازي المولد ( 544هـ - 1150م ) ( 606هـ - 1210م ) .
هوامش
- ^ أنظر:
- قال الزبيدي في الإتحاف: «إذا أطلق أهل السنة و الجماعة فالمراد بهم الأشاعرة و الماتريدية»
- قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر: «المراد بالسنة ما عليه إماما أهل السنة و الجماعة الشيخ أبو الحسن الأشعري و أبو منصور الماتريدي»
- قال ابن عساكر في تبيين كذب المفتري: «وأكثر العلماء في جميع الأقطار عليه و أئمة الأمصار في سائر الأعصار يدعون إليه»
- ^ تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري ، ابن عساكر ، الطبعة: 2 سنة: 1979 ، دار الفكر ، الصفحات: 472
- ^ تاريخ المذاهب الإسلامية/الجزء الأول-في السياسة و العقائد/محمد أبو زهرة.
- ^ أنظر: الكامل في التاريخ – الجزء السادس –لعز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري الشهير بابن الأثير
- ^ محمد عبد الله عنان – تاريخ الجامع الأزهر – مكتبة الخانجي – القاهرة – 1378هـ – 1958.
- ^ تاريخ دولتي المرابطين والموحّدين في الشمال الأفريقي تأليف: علي محمد الصلابي دار النشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان
- ^ قيام دولة الموحدين،الدكتور مراجع عقيلة الغناي،ص49،منشورات جامعة قاريونس
- ^ تاريخ المذاهب الإسلامية/الجزء الأول-في السياسة و العقائد/محمد أبو زهرة.
- ^ الآيات المتشابهة/محمد عز الدين الغرياني.
- ^ الآيات المتشابهة/محمد عز الدين الغرياني.
- ^ دفع شبه من تشبه وتمرد/تقي الدين الحصني .
- ^ تفسير ابن جرير.
- ^ دقائق الإشارات .
- ^ البداية و النهاية10،327.
- ^ المقالات السنية،80.
- ^ دفع شبه من تشبه و تمرد،ص5.
- ^ فتح الباري شرح صحيح البخاري1،174.
- ^ الإعتصام2،303.
- ^ شرح صحيح مسلم للنووي ،5،24.
|